(مقال) -العراق.. جمهورية “الفرهود”/ د.أياد العنبر

▪️يتداول العراقيون كلمة “الفرهود” في المفردات الشعبية استحضاراً لحوادث السلب والنهب، بعيداً عن أصل الكلمة واشتقاقها اللغوي. تاريخياً ترتبط مفردة “الفرهود” بأعمال السلب والنهب التي قام بها الجيش العثماني في العراق، وحديثاً تُستحضَر لِوصف أعمال العنف وسرقة الممتلكات التي استهدفت اليهود العراقيين ببغداد في أربعينيات القرن الماضي، وذلك بعد الفوضى التي أعقبت سقوط حكومة رشيد عالي الكيلاني التي أتت بعد انقلاب حركة الضبّاط في أيار/ مايو 1941. وجرى توثيق تلك الحوادث في مربعات بغدادية- أحد ألوان الغناء الشعبي البغدادي- إذ تقول: “حلو الفرهود كون يصير يوميّة.. حلو الفرهود كون يصير يا إخواني”.

وإذا كان الفرهود تاريخياً يرتبط بأعمال سلب يقوم بها الغزاة وبعنف مجتمعي ضد الأقلية اليهودية في العراق، فهو اليوم ظاهرة تقودها مافيات سياسية وبتواطؤ الحكومة تسعى لنهب خزينة الدولة، من دون حسيب ولا رقيب. والسرقات تجري على يد شبكات عنكبوتية ترتبط بقوى السلطة المتنفذة تارةً، وتارة أخرى تكون على يد شخصيات تُدير المناصب العليا في الدولة.

تتوالى فضائح الفساد في العراق حتى أصبحنا ندور في دوامة الفضائح، وفضيحة تنسينا أخرى! وأصبحت أخبارها من القضايا اليومية المعتادة، وحتى الأرقام لم يعد لها أي اعتبار، فالحديث عن السرقات وصفقات الفساد بات يتجاوز ملايين الدولارات، وأصبحنا نتحدّث عن مليارات الدولارات تُسرَق من الخزينة العامة لِلدولة، ويتم تداول الخبر ليوم واحد أو ليومين أو ثلاثة. ولكن لا تنتهي تلك الفضائح في استعادة الأموال المسروقة أو إلقاء القبض على المتورطين بالسرقات أو الفساد، وإنما تنتهي عندما ننشغل بفضيحة جديدة أخرى!

شخَّصَ الصحفي الأميركي Robert F. Worth ملامحَ الفساد السياسي بعيون غير العراقيين، بقوله: “بالنسبة لِغير العراقيين، قد تبدو الحياة السياسية العراقية مثل حرب العصابات، لكنّها في معظم الأوقات تجري تحت غطاء هذا الصراع سرقات بمنتهى الهدوء”. أمّا ممثلة بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) جنين بلاسخارت، فاختصرت توصيف الفساد في العراق بهذه العبارة: “إنَّ الفساد المستشري هو سبب جذري رئيسي في الاختلال الوظيفي في العراق، وبصراحة، لا يمكن لِزعيم أن يدّعي أنّه محصَّن منه”.

فضيحة سرقة مليارين ونصف مليار دولار من أموال ضرائب الشركات النفطية، لن تكون الأخيرة قطعاً، وهي ليست أول عملية تحايل لِسرقة الأموال، وإنما تتمثل خطورتها في تكوين توجّه جديد في طرق الفساد، حذَّرَ منه وزير المالية علي عبد الأمير علّاوي في حكومة الكاظمي، عندما كتب في استقالته: “إذ تعمل شبكات سريّة واسعة من كبار المسؤولين ورجال الأعمال والسياسيين وموظفي الدولة الفاسدين في الظل لِلسيطرة على قطاعات كاملة من الاقتصاد، وتُسحَب مليارات الدولارات من الخزينة العامة. هذه الشبكات محميّة من قبل الأحزاب السياسية الكبرى والحصانة البرلمانية وتسليح القانون وحتّى القوى الأجنبية”. ومختصر ما يريد قوله علاوي، أنَّ الفساد لم يعد يقتصر على الوجوه التقليدية وإنما تَغوَّلَ ويريد أن يسطو على أموال خزينة الدولة وعبر شبكات تملك النفوذ السياسي وتحتمي بسطوة السلاح المنفلت والحماية الخارجية.

وفي بيان أصدره وزير المالية المستقيل علي علاوي بشأن المبالغ المسروقة مِن هيئة الضرائب، يعترف علاوي بأنّه قبل عام من فضيحة سرقة الأموال قد وصف التجاوز على صلاحياته من قبل مكتب رئيس الوزراء، ولكنّه اكتفى بالاعتراض على ذلك بالقول: “إنهم يتنقلون ويعينون الحمقى، الذين عليَّ أن أزيل فوضاهم لاحقاً. لا يمكنني الاستمرار على هذا النحو عندما أعلم أن الوزارة تلتهم من الداخل ولا يمكنني فعل أيّ شيء حيال ذلك. كل الدوائر مخترقة من الأحزاب والمتنفذين ولا يوجَد أي شخص ذي قدرة وقابلية مستعد أن يعمل بهذه الأجواء” لكنّ الغريب أن علاوي استمر عاماً كاملاً رغم هذه الاعتراضات التي يذكرها.

أقبح ما في جمهورية “الفرهود” هو مشاركة نخب تقدّم نفسها بعنوان “تكنوقراط”، ولعلّ حكومة الكاظمي كشفت عورة الوزراء التكنوقراط وأثبتت مشاركتهم في تنامي الفساد، سواء أكان بسكوتهم على الصفقات التي يتم تمريرها داخل مجلس الوزراء، أو قبولهم بالتعيينات التي تُفرَض عليهم من مكتب رئيس الوزراء، أو حتّى تهاونهم وتخاذلهم أمام فضح ملفات الفساد داخل وزاراتهم.

ولعلّ علي عبد الأمير علاوي يمثّل أنموذجاً لذلك التكنوقراط، الذي اختار الاستقالة من المنصب ومن ثمَّ التحدث عن تشخيصاته لمظاهر الفساد، وكلّ ما تحدّث عنه يشكّل إدانة له لا تعفيه من المشاركة أو غض الطرف عن معاملات الفساد في وزارته.

لكنّ علاوي ليس التكنوقراط الوحيد في حكومة الكاظمي، فهناك وزير تحدّث في ورقة بحثية قدّمها توبي دودج وريناد منصور لمعهد تشاتام هاوس البريطاني، عنوانه: الفساد تحت المظلّة السياسية وعوائق الإصلاح في العراق، في حزيران 2021، يقول في مقدمة التقرير نقلاً عن وزير في حكومة الكاظمي: “توقيعي مجرد ختم مطاطي بعد أن تكون العقود قد أقرّت بالفعل”. ويبدو أن ذلك هو حال أغلب الوزراء في الحكومات العراقية المتعاقبة منذ 2003.

وربما فضائح الفساد قد تكون نتيجة حتمية لِسطوة نظام حكم اللصوصية، لكنّ الجريمة الأبشع هي لعب دَور البطولة في فضحها من قبل الشخصيات الحكومية أو السياسية التي هي شريك أساسي في استفحال ظواهر الفساد والسطو على المال العام، أو محاولة التنصّل عن المسؤولية الأخلاقية والسياسية لِلشخصيات التي تعمل بوظائف عليا في الحكومة، فتلك جريمة استغفال واضح لأربعين مليون عراقي.

ختاماً، الانتقالات السياسية في العراق غير واضحة المعالم بعد عشرين عاماً من تغيير نظام الحكم في 2003، ولحدّ الآن لا يمكن لأحد أن يتنبأ بمآلات التحوّل في بنية النظام السياسي، لكنّ الوصف الأدق لعملية الانتقالات هو انتقالنا من جمهورية الخوف إلى جمهورية الفوضى، حتّى وصلنا إلى جمهورية الفرهود!